الجمعة ١٤ / أغسطس / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo وزير البترول يبحث تسريع تنفيذ مصنع الأسمدة الفوسفاتية بقناة السويسlogo السيسي وزيلينسكي يبحثان تعزيز التعاون وجهود خفض التصعيد الإقليميlogo رئيس الوزراء يشهد توقيع 6 بروتوكولات لتطوير 23 مركز شباب بالمحافظاتlogo وزير الشباب يشهد توقيع بروتوكولات لتأهيل الرياضيين علميًاlogo مصر تدعم 120 شركة خضراء لتعزيز الاقتصاد الدائري بقرى الصعيدlogo مصر تتوسع في الصناعات الفوسفاتية لتعظيم عوائد الثروات التعدينيةlogo التعليم تطلق برنامجًا رئاسيًا لاكتشاف وتأهيل المتفوقين لصناعة قادة المستقبلlogo وزير البترول يبحث تسريع تنفيذ مصنع الأسمدة الفوسفاتية بقناة السويسlogo السيسي وزيلينسكي يبحثان تعزيز التعاون وجهود خفض التصعيد الإقليميlogo رئيس الوزراء يشهد توقيع 6 بروتوكولات لتطوير 23 مركز شباب بالمحافظاتlogo وزير الشباب يشهد توقيع بروتوكولات لتأهيل الرياضيين علميًاlogo مصر تدعم 120 شركة خضراء لتعزيز الاقتصاد الدائري بقرى الصعيدlogo مصر تتوسع في الصناعات الفوسفاتية لتعظيم عوائد الثروات التعدينيةlogo التعليم تطلق برنامجًا رئاسيًا لاكتشاف وتأهيل المتفوقين لصناعة قادة المستقبل

من الذي قتلته وأنا في السابعة عشرة؟

من الذي قتلته وأنا في السابعة عشرة؟


 بداية لستُ ممن يميلون لحديث الذكريات، ولا لعرض القصص الدرامية، لكنني أردتُ مشاركة تجربةٍ مررتُ بها في مراهقتي؛ لعلها تضيء الطريق لشبابٍ يقفون اليوم في تلك المرحلة العمرية الحساسة، حيث تفيض المشاعر، وتبدو القرارات العابرة وكأنها نهاية العالم.

​فلكل إنسان معركةٌ خفيةٌ مع نفسه ووساوسها، وقد جاء في الوحي ما يثبت وجود القرين من الجن؛ فقد قال النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن» [رواه مسلم]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]. ووظيفة هذا القرين الوسوسة وتزيين المعصية ودفع الإنسان إلى الانحراف، دون أن يكون له سلطانٌ قهريٌّ على المؤمن. وقد ورد ذكر القرين كذلك في مشهد الحساب، قال تعالى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: 23]، وقال سبحانه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [ق: 27].

​وهكذا يظل القرين من عالم الغيب الذي أخبرنا به القرآن الكريم والنبي ﷺ ، يلازم الإنسان في حياته ، وتنكشف حقيقة موقفه منه في مشهد الآخرة يوم الحساب؛ حيث يتبرأ القرين من صاحبه وينفي أن يكون قد أجبره على الضلال.

​فطنتُ مبكراً إلى أن النفس قد تدفع الإنسان إلى ما يضره، وأن المعركة الحقيقية ليست دائماً مع العالم الخارجي، وإنما مع ضعفنا واستسلامنا وانفعالاتنا. لكنني لم أكن أعلم أنني سأضطر إلى خوض واحدةٍ من أهم تلك المعارك وأنا في السابعة عشرة من عمري.

​غفوة المراهقة وكابوس الجمعة

​في تلك المرحلة العمرية الحرجة، كنتُ طالباً عملياً، جاداً ومتزناً، أميل إلى الانطواء. ظهرت في حياتي فتاةٌ تكبرني بأعوامٍ قليلة، بدأت تقترب مني باهتمامٍ، وبادلتها التودد والاهتمام، حتى اعتادت نفسي وجودها، ونشأ بيننا ما يحسبه المراهق "حباً أبدياً".

​انتهى العام الدراسي، وجاءت الإجازة الصيفية، فحزمتُ أمتعتي وسافرتُ إلى الإسكندرية للعمل، لتأمين مصاريفي الشخصية والدراسية للعام المقبل؛ كحال كثيرٍ من شباب جيلي الذين تعلموا الاعتماد على أنفسهم مبكراً.

​وبعد عدة أشهرٍ من العمل والكد، عدتُ من السفر محَمَّلاً بأحلامٍ بسيطة استعداداً لبدء العام الدراسي الجديد.

​وفي أول ليلةٍ لي في السكن، وكانت ليلةَ جمعة، جاءني صديقٌ مقرب يعرف تفاصيل تلك العاطفة الناشئة، ليلقي عليّ نبأً نزل كالصاعقة:

«لقد تزوجت حبيبتك الليلة!»

​خاصم النوم عينيّ. ورغم إرهاق السفر وتعب العمل طوال الصيف، ظللتُ ممدداً على سريري طوال الليل، أستمع إلى خفقان قلبي المتسارع، وعقلي يتخبط بين ذكريات حلمٍ جميل انقلب فجأةً إلى كابوس.

​طاردتني الخيالات، وغرقتُ في سيناريوهات سوداوية عما يحدث في تلك الليلة، وأطبقت عليّ فكرة أنني أتعس إنسانٍ في العالم، وأن مستقبلي كله على وشك الانهيار تحت وطأة خيبة الأمل.

​المواجهة والأسئلة الخمسة

​في تلك اللحظة المظلمة، بدأت الأفكار السوداء تدفعني إلى الاستسلام: "اترك دراستك، ابتعد عن الناس، اندفع وراء غضبك، أو افعل شيئاً تندم عليه لاحقاً". لكنني قررتُ النهوض.

​انتفضتُ من السرير لمواجهة ما يدور بداخلي، وبدأت معركةٌ صريحة بين عقلٍ يريد إدارة الموقف بالحكمة والمنطق، ونفسٍ تبحث عن الاستسلام للحظةٍ عاطفيةٍ عابرة، تغذيها مراهقةٌ لم تكن تعرف بعدُ معنى المسؤولية الحقيقية.

​وضعتُ نفسي أمام ما يشبه منصة القضاء الداخلي، ووجهتُ إليها خمسة أسئلةٍ حاسمة: هل أتممت دراستك؟ (لا) ، هل لديك وظيفة مستقرة؟ (لا)، هل تملك سكناً خاصاً؟ (لا) ،هل أنهيت خدمتك العسكرية؟ (لا)، وهل هذا هو سن الزواج وتحمل المسؤولية؟ (لا.. وبلا تردد)

​كانت الإجابات الخمس كافيةً لإعادة عقلي إلى أرض الواقع. فما كنتُ أراه في تلك اللحظة نهايةً للعالم، لم يكن في الحقيقة سوى خيبةٍ عاطفية عابرة، بينما كانت أمامي حياةٌ كاملة لم تبدأ فصولها بعد.

​طوق النجاة

​كنتُ بحاجةٍ إلى فعلٍ حاسم يقطع الطريق على الاستسلام، فتصرفتُ بطريقةٍ انفعالية خاصة بي في تلك اللحظة؛ تناولتُ حذائي وضربتُ به نفسي خمس ضرباتٍ مؤلمة، بعدد الأسئلة الخمسة وإجاباتها الحاسمة.

​لم تكن تلك الضربات وسيلةً تربوية، ولا سلوكاً أدعو أحداً إلى تقليده، وإنما كانت تصرفاً شخصياً في لحظةٍ شديدة الانفعال، عبّرتُ من خلاله عن رغبتي في إيقاظ نفسي من الوهم والعودة إلى الواقع.

​كانت رسالتي لنفسي بسيطة: كفى!

كفى استسلاماً للوهم، وكفى تضخيماً لخسارةٍ عاطفية، وكفى منح لحظةٍ عابرة القدرة على تحديد مستقبلٍ كامل.

​في تلك الليلة، وعلى ذلك السرير الضيق، لم أخسر حب مراهقةٍ فحسب؛ بل خضتُ أول معركةٍ حقيقية مع ضعفي.

​وإذا كنتُ قد استخدمتُ تعبير «قتلتُ القرين»، فأنا أقصده هنا باعتباره استعارةً أدبية عن التغلب على الوساوس والاستسلام والضعف الداخلي، لا باعتباره وصفاً حرفياً لقتل كائنٍ غيبي. لقد قتلتُ الوهم، ودفنتُ الاستسلام، وأغلقتُ الباب أمام فكرةٍ كانت تريد إقناعي بأن حياتي انتهت.

​ما بعد تلك الليلة

​منذ تلك اللحظة، حاولتُ أن أسير على النهج نفسه: التفكير قبل الانفعال، ومحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، والاعتراف بالخطأ قبل البحث عن مبرراته.

​تعلمتُ أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل مشاعره، مهما كانت صادقة، تتحول إلى سجنٍ يحاصره، وأن الخسارة العاطفية لا تعني خسارة الحياة. فالإنسان قد يخسر شخصاً كان يظن أنه كل شيء، ثم يكتشف بعد سنواتٍ أن الحياة كانت تخبئ له أشياءَ أكبر وأهم مما كان يتخيل.

​وأحياناً تكون أقسى لحظاتنا هي التي تعلمنا كيف نقف على أقدامنا.

​رسالتي إلى الشباب

​ولكل شابٍ يقف اليوم على مفترق طرقٍ بين نداء العقل وهوس العاطفة، أقول: لا تسمح لكسرة قلبٍ مؤقتة أو وهمٍ عاطفي أن يسرق منك مستقبلاً لم يبدأ بعد، لا تتخذ قراراً دائمًا بسبب مشاعرَ مؤقتة، ولا تجعل إنساناً واحداً، مهما أحببته، يختصر لك العالم كله.

​اسأل نفسك قبل أي قرارٍ مصيري: هل أملك القدرة؟ هل أملك المسؤولية؟ هل أملك الاستعداد؟ وهل ما أفعله الآن يخدم مستقبلي أم يهدمه؟

​لقد كنتُ في السابعة عشرة عندما اكتشفتُ أن أقسى معركةٍ قد يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، وإنما مع ضعفه. ومنذ ذلك اليوم، أدركتُ أن الانتصار الحقيقي ليس أن تنتصر على شخصٍ آخر، بل أن تنتصر على نفسك عندما تحاول دفعك إلى طريقٍ لا يشبه مستقبلك.

​وفي السابعة عشرة، مارستُ القتلَ بالفعل.. قتلتُ وهمًا كان يمكن أن يقتل مستقبلي.